مقال عندما أمطرت السماء سمكة! || لعبدالرحمن الكِندِي

الكاتب : Yes | المشاهدات : 338 | الردود : 0 | ‏3 مارس 2019
  1. Yes

    Yes مشرف منتدى القطاع النفطي الخاص مشرف

    524
    210
    43
    ذكر
    موظف في #القطاع_النفطي_الخاص
    الكويت
    ‏أحببت هواية صيد السمك منذ صغري، كنت أنتظر الإجازة فقط لأقضي صباحاتها على الشاطئ، يومًا أرجع بحصيلة كبيرة ويومًا بواحدة أو إثنتين .

    وأيامًا كثيرة خالي اليدين، كان معارفي يسخرون مني، لأني أقضي الوقت الكثير على شيء لا يُذكَر وبإمكاني شراؤه، لم يفهموا أني كنت أتعلم الصبر لا الصيد.

    ‏قبل سنوات، خرجت للصيد في صبيحة يوم صيفي بعد ان صليت الفجر وقلت أذكاري، كان يومًا عجيبًا لن أنساه أبدًا.

    في غضون ساعتين اصطدت 15 سمكة من نفس النوع الذي يحبه والدي واصطاده أنا لأجله، رميت مرة فاصطدت سمكتين في آن واحد، كانت بداية اليوم مبشرة بالخير، لكن سرعان ما تغيرت الأحداث.

    ‏حملت السمك وانطلقت بالسيارة عائدًا، كان طريق العودة خطرًا ؛ رصيف مرتفع على يساري يفصل بين المسارين، وعلى يميني شاطئ بلا رصيف، عمق الماء فيه ثلاثة أمتار، ولا يفصل بين الشاطئ والطريق سوى حواجز خرسانية ممتدة على طول الطريق، الواحدة تلو الأخرى، نسميها في العامية "صبة اسمنتية".

    ‏هكذا كنت أسير بين رصيف على يساري وحواجز، من ورائها منطقة عميقة بلا رصيف على يميني، في لحظة غفلة انشغلت عن الطريق، صعد إطار السيارة الأيسر على الرصيف، انتبهت، فأدرت المقود لأقصى اليمين بسرعة، فإذا بالحواجز أمامي، تداركت الأمر وأدرته مجددًا لأقصى اليسار فإذا بالرصيف أمامي.

    ‏هنا فقدت السيطرة، كانت إطارات السيارة ممسوحة، مما يعني أن المكابح لن تعمل كما ينبغي، انفجر الإطاران الأماميان، كانت السيارة تحوس في الطريق يمنة ويسرة، حتى فقدت السيطرة تمامًا، واتجهت مباشرة باتجاه الحواجز الخرسانية، كان الطريق مليئًا بالحواجز الواحدة تلو الأخرى على مد البصر.

    ‏كانت كل الحواجز حاضرة، إلا واحدًا كان غائبًا!
    ولم تتجه السيارة إلا إلى مكان الحاجز الغائب، دخلت من بين الحواجز، الآن أنا والبحر وجهًا لوجه، المنطقة عميقة ولا حواجز بيننا، انحبست أنفاسي، أحسست ببطء الوقت، بدأت أسترجع شريط حياتي قلت في نفسي: هذه هي النهاية يا عبدالرحمن.

    ‏كنت أظن أن تباطؤ الوقت في اللحظات الحرجة الذي اقرأ عنه هو من وحي الخيال، حتى جربت تلك اللحظة، كان كل شيء يحدث من تلقاء نفسه وببطء شديد، رأيت في غضون تلك الثواني، الماضي والحاضر وما قد يحدث في المستقبل القريب، تحولت تلك الثواني إلى دقائق، كنت أتمتم: لقد انتهى كل الشيء.

    معلومة فيزيائية:

    لو سقطت بسيارتك في البحر، فإن نسبة نجاتك ضئيلة جداً جداً ؛ لن تستطيع فتح الباب للخروج لأن ضغط الماء بالخارج أعلى بكثير من ضغط الهواء داخل سيارتك، حتى لو حطمت زجاج النوافذ، لن تستطيع الخروج لأن تيار الماء سيكون متجهاً إلى الداخل بسرعة عالية ولن تستطيع معاكسته.

    ‏من لطف الله أن كان بيني وبين الهاوية حجر كبير، دخل تحت السيارة، فسحبته معها، عَمِل عَمَل المكابح، فتوقفت السيارة على بُعد أمتار عن الجرف المطل على البحر، نزلت من السيارة، لم تعد تعمل، التقطت أنفاسي، وجلست بجوار الشاطئ أنتظر المساعدة.

    لم تنتهي القصة بعد :)

    ‏في خضم تلك المعمعة، كنت شارد التفكير من هول ما رأيت، سمعت صوت ارتطام شيء بالأرض شيء سقط من السماء، نظرت عن يميني فرأيت أمراً عجيباً، كانت سمكة تناضل من أجل حياتها، كانت من نفس النوع الذي أتيت لاصطياده، وعندي 15 سمكة منه في السيارة.

    ماذا حدث؟!
    لقد أمطرت السماء السمكة!


    ‏العجيب في القصة والذي لا أفهمه حتى اليوم، أني تصرفت تلقائيًا، حملتها بيدي، لم آخذها لأضعها مع حصيلة صيدي، بل رميتها إلى البحر فانطلقت نحو الأعماق، بالرغم من أني أتيت لصيد هذا النوع ذاته وأتتني بدون تعب، ربما لأن مزاجي كان متعكرًا حينها.

    قاطعني حينها صوت غاضب من الأعلى!

    ‏كان طائر نورسٍ يحلِّق فوقي صارخاً، فهمت حينها أن السماء لم تمطر سمكة بل أني قد أفسدت تعب يوم طائر نورس، اصطاد سمكة وطار بها، ثم سقطت منه أثناء الطيران، فأرجعتها أنا إلى البحر، يبدو أنه كان يشتمني بلغته.

    أتت المساعدة ونقلت سيارتي وعدت للمنزل.

    ‏ذكرت هذه القصة لكم لما وجدت فيها من العِبَر والحِكَم:

    • شاء الله أن يغيب حاجز فلا اصطدم به.
    • شاء أن يوجد حجر فلا أقع في البحر.
    • شاء أن أكون هناك مكان سقوط السمكة.
    • شاء أن أكون بمزاج لا يسمح لي بأخذها لأعيدها للبحر.

    شاء الله في ذلك اليوم، أن تُكتَب الحياة لروحين مجدداً.

    تذكر هذا عندما تُغلِق الدنيا أبوابها في وجهك، مرضك لحكمة، عطالتك لحكمة، عنوستك لحكمة، عقمك لحكمة، سقوطك لحكمة، تجاربك الفاشلة لحكمة، تأخُّر الخير والشفاء والرزق والنصيب، كل ذلك وراءه حِكَم لو كشفها الله لك، لحمدته على ما تراه مصيبةً لك في حياتك اليوم.


    والحمدلله.
     

مشاركة هذه الصفحة