---- قصة جميلة ----

الكاتب : العيـن | المشاهدات : 303 | الردود : 0 | ‏19 ابريل 2010
  1. العيـن

    العيـن بـترولـي جـديـد

    41
    0
    0
    السلام عليكم
    كنت قد قرأت قصة مؤثرة في صغري ، وأعجبتني ، وأثناء تقليبي لصفحات الإنترنت وجدتها مطبوعة ومنشورة، والقصة كتبها الدكتور يوسف العظم.
    أترككم مع القصة المنشورة

    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ( زجــاجة الدواء العفـــن )ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    عجيب أمرك يا أبي .. تصر إلا أن تحتفظ بهذه الزجاجة .. وأن تصونها
    في صيدلية المنزل وقد تلف وتعفن ما تحتويه من دواء؟؟
    وتلفت الشيخ القابع في ركن مكتبه .. ونحَّى قلمه ثم دفع ما بين يديه من ورق مكدس وكتب مبعثرة .. وتطلع في عين الشاب الذي يسأل .. يغمره برفق ويرمقه بنظرة حنان، شأنه دائما معه .. ما عوده غضبا .. ولا ثورة .. ولا جمود فكر ..
    ثم سال مداعبا:
    * وعجيب أمرك يا ولدي .. تصر إلا ان تثير قصة الزجاجة تلك .. كلما تناولتم (لفافة قطن) أو جرعة دواء .. هل أنت مصر على أن تسمع حكايتها؟ ...
    وابتسم الفتى .. ودنى من أبيه يقبل يده ليذيب في أخاديدها الشكر والرفق والمودة .. ثم أدنى مقعده وراح يصغي للرجل الذي اتسعت حدقتا عينيه بالنور .. وأشرقتا بالدموع ..


    " كان ذلك منذ عشرين عاما .. يوم كنت على أبواب وقار الرجولة الناضجة أودع إنطلاق الشباب وفورة الدم في العروق .. في الأربعين من عمري؟..
    وكنت يا ولدي خلوا من الثروة .. إلا من قلم هو كل ما أملك في دنياي .. أمسك به لأكتب المقال وأضع القصة .. وأسطر الفكر .. ثم أترفع به أن تطأه أقدام الطغاة .. وأن تتقاذفه ألسنة الظلمة .. كنت يا ولدي غزير الإنتاج ذا فكر نير وأسلوب موفق كما يبدو فيما يقول النقاد والكتاب .. والذين يقرأون لي.
    كنت مثاليا يا منير أكتب عن الخير وللخير .. أحاول أن أصنع بقلمي المجتمع الذي يعيش في ذهني الخصب وخيالي الوضيء .. وكان القاريء يومذاك شأن قراء كل عصر عجينة يكيفها التوجيه كيفما يشاء .. شعبا يصنع التاريخ .. أو أمة تعيش على الفتات؟..
    وتكتلت عناصر الهدم آنذاك يا ولدي .. وصنعت من شعبنا مجموعة من القردة والببغاوات المزركشة لا تحب من الحياة إلا غثاءها .. ولا ترضى من الفكر غلا سطحيه .. واندفع السيل الهادر يهدم .. ويعصف .. ويجرف في تياره المثالية والوعي .. والبناء .. إلى أن جاء يوم؟..
    وكنت أجلس إلى مكتبي أمُر على وريقات بيض بقلمي لأخط كما بدا لي منهجا واعيا في مجال التربية شأن من يحمل فكرا .. قلما .. وقلبا تتعاون كلها على البر والهدى .. والخير والسلام ..
    وطُرق الباب .. ودخل شاب أعرفه .. وحياني بأدب متكلف وبسمة مهزوزة شاحبة .. فرددت التحية .. ونهضت مرحبا .. ثم أشرت له أن يجلس على مقعد مجاور ..
    قال: ـ أتعرفني يا أستاذ؟
    قلت: بكل تأكيد .. ألست أنت رئيس تحرير جريدة (الصبح). وإبتسم الفتى بغرور ليقول:
    ـ إني شاكر لك هذا التقدير لمعرفتك بشخصي الضعيف؟ وكنت صريحا مع الرجل فقلت:
    ـ ولكن معرفة المرء لا تشير إلى أكثر من المعرفة نفسها ..
    قال: ثم تحتفظ بعد هذه المعرفة بي .. برأيك الخاص في سلوكي .. وجريدتي .. وهذا ما جئتك من أجله؟..
    ومضى الشاب يثرثر: هذا من حقك .. قل عني ما شئت .. ولكني لا أكتمك .. لقد جئت اليوم وفي رأسي هدف لا بد من تحقيقه .. ولو أدى ذلك إلى جريمة؟
    قلت .. وقد عجبت من الحديث الغامض الذي يهذي به صاحبنا
    - ولكن ما علاقتي بالموضوع .. أي هدف تعني .. وأي جريمة؟
    قال: الهدف .. ان تكتب لي .. لجريدتي .. للناس .. حرام عليك يا سيدي أن تقبع في هذا الركن من المكتب لا تخرج للجمهور الذي يهفوا أن يقرأ لك ..
    قلت: هذا من شأني الخاص الذي لا دخل لأحد به !
    قال: ولكنك لست ملكا لنفسك .. القلم ياسيدي ليس محراثا عتيقا تلقي به في ركن بيتك لا يكترث به أحد .. إنه ملك الجمهور .. ملك الأمة .. أليس كذلك؟ !
    وأدركت إن وراء قصة هذا الرجل وحديثه أمرا .. فاعتدلت في جلستي وقلت:- وحتى المحراث يا بني .. لا يحمله المزارع الخير ليحرث أرضا لا تنبت إلا الشوك والعوسج ولا يدفعه يخط خطا واحدا في أرض سبخة لا ماء فيها .. ولا رواء !
    قال: صدقت .. وهذا ما جئت من أجله .. لاستصلاح الأرض وتغيير التربة؟
    قلت: وهذا ما يدفعني لأن أرفض الهدف والغاية .. والوسيلة التي اقبلت بها عليّ .. اسمع يا بني الصحفي .. أتريد أن أكون معك صريحا .. صراحة هادفة صادقة .. انك لا تحمل رسالة .. لأنك لست بصاحب هدف .. أنت تبيع نفسك لكل من يدفع الثمن .. تارة تتحدث عن ساق جميلة لراقصة لعوب .. وأخرى عن مخدع ساقطة من بنات الليل .. وثالثة عن كرم أبخل الناس حتى أنك أسميت ظلام الليل إشراقة الضحى .. لست صحفيا يا ولدي ولكنك تاجر أقلام في سوق النساخة ! ..
    واعتدل الصحفي الغر في مجلسه يتصنع ثورة بلهاء لكرامته:- أرجوك هذا كثير !
    قلت: أنا الذي يرجوك أن تصغي لي حتى النهاية .. ماذا تريد مني؟.. أتريد أن أكتب الخاطرة البناءة بجانب همسة فاجرة تدغدغ بها عواطف المراهقين .. أم تريد أن أكتب لك عن الصدق والرجولة والبطولة والإيمان والتضحيات في وريقتك الصفراء التي لا تتبنى إلا الكذب المقيت والتفسخ الهادم والإنهزامية القاتلة؟
    لا .. يا هذا .. ليست الصحافة مهنة .. إنما الصحافة رسالة ! وأحسست بالعرق يتنزى من جبين الرجل ليسيل على صدغيه .. وسرني أن يؤثر فيه كلامي العنيف وثورتي الصاخبة .. ولكنه نهض .. ودون أن يلتفت .. خرج .. وصفق الباب خلفه بعنف أعاد لي بعض هدوئي .. وجعلني أتحسس الأوراق والأضابير المبعثرة بين يدي ..
    وشعرت يومئذ يا بني بالنصر .. وما أحسب أحدا يتصور لذاذة الفوز التي ذقتها آنئذ ونشوة الظفر التي سعدت بها .. لقد انتصرت .. على المادة .. والإغراء .. والشيطان !
    ثم عدت يومها إلى البيت .. لأجد أخاك قد ألمت به وعكة ألزمته الفراش .. ولم أكترث لها .. فحملته إلى الطبيب كان صديقا لي قرأ لي كثيرا فإرتاح لما قرأ .. ثم أضجعت الصغير بين يديه .. وفحصه ليتناول قلما يخط به الوصفة الطبية فقلت له مداعبا:
    - أرجوك .. أن تكون رحيما بجيب صاحبك .. وألا تختار الدواء الغالي إن وجد معه دواء أرخص ثمنا وأقل كلفة ... وضحك الطبيب يومها وقال:
    - هذا أسلوب جديد يا أستاذ في مراعاة الأطباء لزبائنهم ! .. وتناولت الوصفة ومضيت إلى الصيدلية فالبيت لأودع أخاك فراشه .. وأوصي أمك بملاحقة الطفل في تناول الدواء ...
    ومضت الأيام يا بني .. وأنا أتردد بين عملي وبيتي وعيادة الطبيب .. والصغير يزداد هزالا وسوء حال .. حتى قلت للطبيب يوما بأسلوب فيه مزيج من الجد المر والمزاح الباهت:
    - مالي أرى خبرتك لا تسير إلى الأمام كما عودتنا .. إن حال الطفل يسوء .. أرجوك يا دكتور .. أنقذه لي .. لا بد أن يعيش ! وتلفت الطبيب حوله .. ثم همس في أذني بمرارة:
    - إنك أنت السبب فيما تراه قد حل بولدك يا صاحبي .. إنك تحدد ثمن الدواء لي .. وتطلب العناية بولدك في مجال الثمن لا مجال للتشخيص والمعالجة .. ماذا أصنع إذا كنت تصر ألا يزيد ثمن الدواء على نصف دينار !..
    قلت والألم يمزق كبدي .. وصراحة الطبيب تذوب مرارة في أحشائي ..
    - لم يكن بُخلا يا دكتور .. بل .. إنها الحياة !
    وأمسكت بيد الطبيب أقول بلا وعي:
    - أكتب .. سجل .. أي دواء .. بأي ثمن !!
    وكتب الطبيب .. وتناولت الوصفة .. ومضيت إلى الصيدلي وقدمتها له فقرأها .. ثم قال:
    - أربعة دنانير !...
    وتذكرت أني لا أحمل هذا المبلغ الباهظ معي ..
    - فقلت: ولكني لا أحمل هذا المبلغ الآن ..
    قال بهدوء: يمكنك أن تراجعني عندما يكون معك !
    قلت: شكرا .. واختطفت الورقة .. ومضيت كالمجنون إلى البيت وطرقت الباب .. وفتحت أمك فقالت في حسرة ويأس مرعب:
    - ولدك .. ولدك يا سعيد .. يموت بين يدي !!
    قلت بعناد: لا لن يموت .. وأنا في طريقي لشراء الدواء .. عليّ بالإضبارةالسوداء التي فوق مكتبي ..
    وتناولتها ورحت أبحث بين دفتيها .. وفي صورة عصبية .. مضيت أبعثر أوراقها إلى أن عثرت على مقال هادف بناء عن الشخصية الإنسانية ! ..
    وخرجت من البيت .. ومضيت في طريقي الهث .. حتى وصلت .. (آه يا بني)
    وصلت حيث يجلس الصحفي المغرور .. وطرقت بابه .. وأذن لي بالدخول فقلت له:- أتسمح؟ هذا مقال للجريدة .. أرجو أن ينال رضاك..! وابتسم ابتسامة النصر والسخرية.. والإنتقام الحاقد .. ثم قال:- تفضل .. لقد شرفت إدارة الجريدة يا أستاذنا الكبير ..
    قلت معتذرا بتلعثم:- الواقع .. أني في وضع لا يسمح لي بالبقاء عندكم .. أنا على عجل .. ومد يده .. يتناول المقال ليهتف صاخبا:
    - لنا عظيم الشرف يا أستاذ الجيل !
    وشعرت حينها بالسخرية في كل حرف من أحرف العبارة القاتلة فقلت:
    - أرجوك .. أجبني هل يصلح المقال لجريدتكم؟
    وهتف من جديد وراح يحرك كرسيه الدوار في كل إتجاه:
    - بكل تأكيد .. ومكافأة الأستاذ الفاضل عليه .. أربعة دنانير !..
    قلت ويدي تقبض على الوصفة الطبية تضغطها: أرجو أن تدفعها لي الآن .. فإني بحاجة لها .. الساعة.. !
    قال: بكل سرور ...
    ومد يده إلى محفظته المتفخمة بأوراق النقد وأخرج الدنانير الأربعة .. ثم ناولني إياها .. ومضيت في طريقي .. وقبل أن أخرج عاد الرجل يقول:
    - أستاذ .. وإستدرت لأقول نعم ..
    قال: أتحب أن ترى موضع مقالك من العدد القادم؟
    قلت: لا .. هذا لا يهمني الآن ..
    قال: ولكنه يهمني .. أنا .. يا أستاذ البناء ! ... سيكون هنا في هذا المكان ...
    وأشار إلى تصميم مخطط لصفحة كانت بين يديه وبجانب عنوان مثير لموضوع جنسي رخيص خط الرجل بقلمه: هنا مقال الأستاذ الكبير ! وأطلقها ضحكة مجنونة عصفت بكياني ..
    فأصابني دوار وغثيان .. وخرجت وقد تفجرت في رأسي دموع حبيسة لم تجد طريقها إلى وجنتي ..
    وعدت .. إلى الصيدلي .. والبيت .. وأمك .. وأخوك المريض .. وجدته في دنيا .. غير التي تهزأ بكرامة الأتقياء .. وصمود المصلحين !..
    ومن يومها يا ولدي .. وهذه الزجاجة المغلقة على الدواء العفن قابعة في خزانةالإسعاف لاتريم .. رمزا لليوم الذي سقط فيه أبوك فوضع أدبه حيث لا يجوز أن يضعه .. وأنبت قلمه زهرة في حقل من الشوك الذي لا ترعاه حتى البهائم !..
    - أعرفت يا ولدي القصة .. قصة الزجاجة المغلقة على الدواء العفن !"


    وعاد الشيخ من توهيمته .. ليرى إشراقة الفخار والطمأنينة تغمر الجبين الغض بين يديه فأودعه قبلة .. ذوباً
    من الراحة والهناء ،والتطهر .. والرضا ....
     
جاري تحميل الصفحة...

مشاركة هذه الصفحة